صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
27
الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين )
لو كان جنسا لزم أن يكون الفصل المقسم للجنس مقوما لمهيته وذلك لأن حاجة الجنس إلى الفصل ليس في تقرر مهية وتقويم معناه بل في تحصيل وجوده وذلك إنما يتصور فيما ليس معناه ومهيته عين الوجود وأما الذي حقيقة معناه نفس الموجود فلو كان جنسا لاحتاج إلى فصل مقسم وشأن الفصل المقسم تحصيل وجود الجنس وإذا كان الوجود نفس معناه كان الفصل مقررا لمعناه ومقوما لمهيته فلزم كون المقسم مقوما هذا خلف وبمثل هذا البيان يظهر نفي كون الوجود نوعا لأفراده لأن حاجة الطبيعة النوعية إلى المشخص كحاجة الطبيعة الجنسية إلى الفصل في أنها ليست إلا في تحصيل الوجود لا في تقرير المهية وهذا إنما يتصور فيما ليست حقيقية حقيقة الوجود فالوجود كما ليس بجنس ليس بنوع وإذا لم يكن جنسا ولا نوعا فليس بعرض عام ولا خاص إذ كل منهما وإن كان عرضا بالقياس إلى غيره فهو نوع بالقياس إلى أفراده الذاتية فكل ما ليس بنوع ليس بعرض وأما الفصل فإن أريد به الفصل الحقيقي المنطقي فجاز أن يكون الوجودات الخاصة فصولا وصور الأشياء محصلة الوجود وإلا فهو أيضا مهية كلية والوجود زائد عليه ليس نفسه فاعلم بهذه الأصول فإنها أجدى من تفاريق العصي قوله فإنه معنى متفق فيه إلى آخره يعني أن الوجود مقول بالاشتراك المعنوي على الأشياء كلها وهذا قريب من الأوليات وإن تصدى المتأخرون من المتكلمين وغيرهم بيانه بوجوه عديدة مشهورة فإن العقل يجد بين موجود وموجود من المناسبة والمشابهة ما لا يجد مثلها بين موجود ومعدوم فإذا لم يكن للوجودات متشاركة في المفهوم بل كانت متباينة من كل الوجوه كان حال بعضها مع البعض كحال الوجود مع العدم في عدم المناسبة وليس هذا الأجل إلا محامد في الاسم حتى لو قدرنا أنه وضع لطائفة من الموجودات والمعدومات اسم واحد ولم يوضع للموجودات اسم واحد أصلا لم يكن المناسبة بين القبيلتين كالمناسبة بين الموجودات الغير المتحدة في الاسم كما حكم به صريح العقل والعجب أن من قال بعدم اشتراك الوجود بين الموجودات فقد قال باشتراكه من حيث لا يشعر لأن الوجود في كل شيء لو كان بخلاف الوجود في الآخر لم يكن هاهنا بشيء واحد يحكم عليه بأنه غير مشترك فيه بل يكون هاهنا مفهومات لا نهاية لها ولا بد من اعتبار واحد واحد منها ليعرف أنه هل هو مشترك فيه أم لا فلما لم يحتج إلى ذلك علم أن الوجود مشترك فيه وأيضا الرابطة في القضايا والأحكام ضرب من الوجود وهي في جميع الأحكام مع اختلافها في الموضوعات وللمحمولات أمر واحد قوله على التقديم والتأخير إلى آخره أنحاء التشكيك ثلاثة الأولوية والأقدمية والأشدية ومقابلاتها والوجود جامع لوقوع هذه الثلاثة فيه فإنه في بعض الموجودات مقتضى ذاته دون بعض كالواجب تعالى والممكن وفي بعضها أقدم بحسب الذات من بعض كالعلل ومعلولاتها وفي بعضها أتم وأقوى من بعض كالجوهر والعرض والمفارق والمادي من الجوهر والقار وغير القار من العرض واعلم أن المشائين إذا قالوا إن العقل مثلا مقدم على الهيولى بالطبع أو كل واحدة من الهيولى والصورة مقدمة بالطبع أو بالعلية على الجسم فليس مرادهم من هذا أن مهية شيء من هذه الأمور متقدمة على مهية الآخر أو حمل الذاتي كالجوهر على العقل والهيولى وعلى الجسم وجزئيه بتقدم وتأخر بل المراد أن وجود ذلك مقدم على وجود هذه ووجود الجسم مؤخر عن وجود جزئيه وتحقيق ذلك أن التقدم والتأخر في معنى ما يتصور على وجهين أحدهما أن يكونا بنفس ذلك المعنى حتى يكون ما به التقدم هو بعينه المعنى الذي فيه يقع التقدم وكذا التأخر بنفس ذلك المعنى الذي فيه التأخر كالتقدم والتأخر الواقعين بين أجزاء الزمان وفيه وثانيهما أن لا يكون كذلك بل يفترق المعنى الذي فيه التقدم عن المعنى الذي به التقدم وكذا في التأخر كتقدم الإنسان الذي هو الأب على الإنسان الذي هو الابن وكتقدم الجوهر العقلي على الجوهر النفسي فإن ما فيه التقدم والتأخر في الأول ليس معنى الإنسانية المقول عليهما بالتساوي بل معنى آخر هو الزمان وفي الثاني ليس الجوهرية المقول عليهما بالتساوي بل الوجود فالحق أن ما فيه التقدم كما به التقدم في غير الوجود إنما يكون بواسطة الوجود وأما في الوجود فهو من جهة نفسه لا بسبب شيء آخر غيره فكما أن بعض الأجسام متقدم على بعض لا في الجسمية كما برهن عليه بل في الوجود فكذلك إذا قيل إن العلة مقدمة على المعلول فمعناه أن وجودها متقدم على وجوده في الوجود وبه وكذا تقدم الاثنين على الثلاثة فإن لم يعتبر الوجود فلا تقدم ولا تأخر فالتقدم والتأخر والكمال والنقص والشدة والضعف في الوجودات بنفس هوياتها لا بأمر آخر وفي الأشياء والمهيات بواسطة وجوداتها لا بأنفسها ومن هاهنا بين البرهان على أن للموجود أفرادا حقيقية عينية وليس مجرد هذا المفهوم العام النسبي بل له أفراد هي أصول الحقائق مع اشتراكها في معنى واحد والعجب من بعض أجلة المتأخرين أن الوجود عنده أمر انتزاعي تعدده بنفس ما أضيف إليه من الأمور كسائر الإضافيات وأن للجعول عنده وكذا الجاعل هو المهية دون الوجود على أنه نفى التشكيك بالأقدمية عن المهيات وذهل عن أنه يلزم عليه التناقض فيما إذا كان جوهر سببا لجوهر آخر كالعقل للصورة والصورة للمادة وأما أتباع الإشراقيين ممن قالوا باعتبارية الوجود فعندهم أن الجاعلية والمجعولية بين المهيات وجوزوا التشكيك بالأقدمية وغيرها في المعاني الذاتية كالجوهرية بين الجواهر فجواهر العالم